تساؤلٌ وخِواء

لماذا تبدو الأيام خاوية إلى هذه الدرجة؟ لماذا تتسم برائحة الموت وبفكرته وبوجوده؟

لم أكن أعلم أن الحياة دون ماما ستكون بهذا الألم، بهذا القدر، أن تختنق حرفاً وشعوراً وبُكاءً، تبكِ لكن الراحة أبعد مايكون عنك، أن تستيقظ وتشعر عِوضاً عن روحك قد وضِع ثقل الدنيا بجبالها أجمع، تحاول الهرب لكن في النهاية تعود إلى ما لم تعهد به نفسك، متخاويٍ ميِّت إلا قليلاً! 

تود قول أنك هُنا، أنك حيُّ تُرزق لكن في لحظةٍ ما لا تستيطع رفع يدك ولا التلويح، يتاثقل عليك هذا الحزن، يتأكلك من الداخل، لستَ بخير، صوتك لا يأتي إلا واهناً عبثاً يحاول التماسك،

أمامك ثلاثة أشهرٍ في مواجهة هذا الموت لكنك عِشت بها ثمانيةً وعشرينَ يوماً وتبقى الكثير .. لست أملك الجُرئة والقوة لقول أن المتبقي قليل، ليسَ قليلاً في أقله شعورياً ليسَ كذلك، أن تستيقظ وتغغو وفكرة الموت متحتمةٌ في رأسك الصلب،

بقايا ذكرى هُنا بل ذكرى كاملةٌ بأتمها تعيش تفاصيلها يومياً منذ مجيئك .. مُرهقٌ ومُتعب ويدفعك إلى يأسٍ لا تود حضوره،

تود قول أن شعلة الأمل في قلبك لم تنطفئ، لاتزال على قيد الإشتعال، على قيد الضوء، وإن كانَ خافتاً لكنها هُنا رغم السقوط .. 

 لا أعلم إن كنت تستطيع فِهمَ ما أشعر به، أن يصلك صوت الحرف، وأنني أوصلته بشكلٍ صحيح لكنها تبقى محاولاتُ في ذلك..

التاسعة وتسعُ دقائق أخيرة صباحاً

يوم الجمعة للعام الـ ١٤٤٠ الرابع من شوال.

الإعلانات

يومٌ يتيم

في داخلي الآن وجعٌ يزنُ العالم أجمع، لم أكن أتصور أن الزُرقةَ القُماشية ستكون آخرَ ما أرتديه في يومٍ كهذا برفقة ماما، أنَ صلاةَ الصُبحِ تلك ستكون النهايةَ والخِتام، أنَ ضِحكاتِ ذلك الصباح هيَ النهايةُ في يومٍ كهذا من كلِ عام ..

بحق لا أعلم إن كنتُ سأتقنُ كتابة الألم ونقله لكنني أحاول ألا أغرق لذلك أكتب،

لم أتصور أنَ الوجعَ سيكون أعظمَ وأكبرَ اتساعاً لاتسدهُ ثغرةٌ ابداً، تيقنتُ من ذلك الآن، الدمع في محجرِ العين كبحرٍ فقدَ بحّاره وأنا فقدتُ أمي ..

عبثاً أُحاول الصمود، قولاً ليِّناً أنني بخير، لكنَ العينَ أعمق والألمَ أشدّ، بعثتُ بتهنئة (العيد) يتيمةً لكل مَن فقدت ماما وإخوتي وجدتي وخالي الحبيب ولجميِعهم، أُحبكم مِراراً، أقولها الآن في حضرٍ من الدمع والإختناق العارم، لكنني أُحبكم فحسب وأشتاقٌ اضعافَ هذا العالم ومِنْ به، ليتكم هُنا لكنني أعلمُ أنكم بخير لا تشتكونَ ألماً ولعلها السلوى والرضا في بُعدٍ قاتل ..

كُنتُ اليوم أبحثُ عن أعينكم، أيديكم، شيءٌ من ريِحكم، مكانٌ أعلمُ أنني بأمانٍ بينَ كنفيِّه .. اكتفيتُ أخيراً بجلوسٍ كُنتم يوماً جُلاساً فيه

الأول من شوال
للعام الـ ١٤٤٠
الثانيةُ عشرَ وتسعةٌ وخمسونَ
دقيقةً بعد الظُهر..

حديثٌ لم يكتمل

لا أعلم لِما تُصر هذه الأيام على الإتيان، وهذا البُكاء على التواجد، لكنها حالُ النفس، ثم إنهُ حالٌ قد وقعَ بين يديّ الحرف فهاكَ إياه قارِئً كريماً ..

عندما كُنتُ أبكِ بين حينٍ وآخر في تواجد ماما .. أي في حياةٍ حَدثت قبل تسعةِ أعوام كانت تعانقني، كانت تخبرني بعدم إرادتها لهذا الدمع أن يهطل وأن هذه المَلامح لا تستحق رِداءَ البُكاء، لم أكنْ أبكِ في حينها إلا لشتداد الألم بها، وإلا بُعداً عِلاجيِّاً يُقصيها عن عينيِّ ..

لكنَ الصوت منها كان يصل، كان ينعمُ فؤادي بالدفء، كنتُ أراها أمام عينيّ وإن لم تحضر تماماً فقد كفاني الصوتُ والحنوُّ

هذا الصباح أصابتني رغبةُ البُكاء هذه، أشعر بثقل الدنيا فوق كتفيِّ، لا أود إلا ارتماءً بين ذراعيها لتقيني من كل هذه الدنيا وأنامها، أعلم تماماً أنَ لا شيءَ قادرٌ على تعويض مكانٍ قد خلا منها، لكنها أمٌ وهذا قلبٌ صبيانيٌّ لم يبلغ الكِبرَ بعد ..

 

الثامنةُ والرُّبع صباحاً جُمعيِّاً
السادسُ والعشرون من رمضان
للعام الـ ١٤٤٠ هجرياً.

حُبٌ وإقرار

كنتُ قد آمنتُ بالحُبَّ
بوجوده، بصدقهِ، بمحبته، بكيانه الدافء، بكل الصِلات التي تربطك فِعلاً حقيقيةً لا مجازاً بالأرض، تضربُ جذورك فيها، داخلَ تُربتها كمن يريدُ الإزهارَ ويرجوه..

قد تُجدي فعلاً وتُزهر مِن بعد أن تخوض عِراكاً يتمثل في ثباتِ جذورك في الأرض ذاتِها، في نماءها، وسقايتها وتشذيبها، لا حُبَّ ينمو من العدم، ولا حُبَّ يبقى دونما عناية، ذراعين لا تُجدي، لا تُفلح، لابدَّ من أربعةِ أذرع، من روحينِّ، تتشارك الشعورَ بعمق مافيه، بملِئه، بدفئه، بعواصفه البحريِّة..

الحُبُّ روحيّنِ يبقيان على قيدٍ
من حياةٍ وأملٍ وارتقاءٍ سماويّ

لذا وقد خاضَة هذه المِضغة الصغيرة في داخلي بِحار الحُبَّ السماويّ لمرتيّن يتيمتيِّن، لن أقولَ أنها أينعتَ في نهاية المطاف، لكنها في أوج العاصفة كانتَ تُزهر بشكلٍ ما.. ثـم آمنةٌ أن هذا القلب الخالي الآن من أي رجلٍ كان، سيتملئ يوماً بحب أحدهم ولن يكون هُناك أحدٌ مِن بعده .. إذاً من بعد ذلك من بعد ثلاثةِ سنونٍ من الموج، هذا القلبُ أُغلقَ حتى حينٍ لسلامته، أُحبكَ نعم.. لكنك صديقٌ لا حبيب.. ، لذا لربما هذه وقفةٌ للنفسَ، للروح، لعدم الرغبة في ذبولٍ جديد، يُكتفى بإثنان لأقولَ مِن بعدِها :
اللهم لاتجعل هذا الحُبَّ طارقاً إلا
إن كانَ ذي خيرٍ تعلمهُ وترضاهُ وتُحبه

…..

فؤادكَ غالٍ وروحكَ أعزّ فلا
تدع طرقاً عجِلاً يلج إليهما.. 

… 

السادسة وستُ دقائق 

صباح الرابع والعشرين 

من رمضان في تقلب المنام..

للعام الـ ١٤٤٠ هجرياً.

صديقٌ حميم

روحي الصبية هذه من الأرواح المؤمنة بأن الصديق ليسَ صديقاً فحسب، أي ليسَ جسداً يُرافقك، يُحادثك ولربما جالَسك، إنما روحٌ ويدٌ تمتد إليك وإن تهاوت المسافة وفعلتَ فِعلتها في البُعد، لكنِ أؤمن أن الصوتَ كافٍ ليوصلَ إليك كُل شيء، كافٍ ليدفء روحك، ليخبرك أنك بخير وإن خشيتَ التهاوت، يُقويك ويشد من أزرك لذلك..

هارون أخي اشدد به أزري

إذاً في القليل جداً مَن يكون لكَ أخاً روحيّاً تنعم وتأنس بقربه ووجده، حتى تحمد الله على رزقٍ رُزقتَ به، صديقٌ كهذا لا تدعه يفرط وينساب من بين يديك، إنهُ أخٌ وروحٌ أُخرى تُشاطركَ الألم والفرح والقسوة والمُكابدة، صديقٌ أخٌ تعلمُ أشدَّ العلم أن روحهُ تتبعك وإن قلّ الكلِم، مَن يُذكر اسمه حتى تنفرج أساريرك وكأنكَ على مرأىً حبيبٍ منه وإن لم تبصره إلا رؤيةً فؤاديّة، تُقاربكَ صلواته، مُنجاته لكريمٍ رحيمٍ، لأجلك، لأجل هذه الروح بين أضلعك،

في صديقٍ أخٍ كهذا لا أجد الحرف مُكتملاً كي يُسد له يدَ التبجيل والإسهاب فيه، لكنني سأختتم قولي هذا بمبعوثٍ لعله يصل إليه وأثق بذلك 

– “ هُنا يدٌ تمتد إليكَ دائماً “.

.. 

حافظ عليه، 

ثـم أتمنى لكم فجراً نورانيّاً طيّباً.. 

في أمانةِ الله وحفظه. 

فجرَ ليلة الثالث والعشرين من رمضان.. 

للعام الـ ١٤٤٠ هجرياً. 

الثالثة وخمسٌ دقائق..

حديث حُبَّ

للمرة الأولى منذ أن أحببتك أتيقن اليوم يقين      المؤمن الجازم

أن هذا ما هو إلا حُبٌّ وحُبك مقيمٌ بدار قلبي، للمرة الأولى كذلك أُردد “يارب أجمع بيننا بالحلال!”

حضورك طاغٍ اليوم كما لم يكن في أي يومٍ قبله.. تعرفت اليوم على حُبك الحقيقي وأيقنت منه،

ربما أبدو أقوى الآن.. لست الصبية التي حادثتك آخر مرة..إعلم أن قوتي هذه استمدها منك..

مددتني بالثقة فأمدُدنيّ بالقوة ليُزهر شيءٌ من الزهر في قلبك المُتسع للعالم أجمع.

١٤٤٠/٩/٦ هـ
٧:٢٢ مساءً

حديث تائه

GIFDownloader-1-1557339249476

هائنا أعود للكتابة مجدداً، أعود لأنزف ما تبقى من هذه الروح المنهكة من طرق الحياة وبمن وقع فيها، لم يكن صباح اليوم مسالماً بل أتى بكل متاعب الفؤاد، بكل ما يُبكيه، حتى بكيت، وبكيت وخلدت لنومٍ لم أجد راحةً فيه، تتلقفني الأحلام المزعجة آخراً خلف أخيه، ابتدأت هذه الأيام الثقيلة تماماً كما في كل عام منذ أن رحلت حبيبة هذه الدنيا وهذا الفؤاد، لا أعلم لِما هذا البكاء مُصر على كونه صديق هذا اليوم! كفاك عني فقط جفت أدمعي وبئر أحزاني لا زالت ترتجف المياه في قعره، لا أزال أغلق عيني متصورةً أن كل هذا الألم سيذهب وأن هذا حُلم حتى أنني أبكي واتبسم الآن من تصورٍ لن يكون ابداً، أتسائل ما الأتي وما المزيد الآن؟ أعلم تماماً أن الله هُنا وأنه قريب الحبيب، لكن روحي ثقيلة علي، يستصعب علي حِملها الآن، لست أريد شيئاً بقدر عناقٍ طويل يزيح كل هذا البكاء لينسكب ليذهب ليُنسى كطريقٍ بعيدة، غُربةٌ تزداد غُربةً أُخرى تمتد لأشهرٍ طويلة أيَن الزاد والمستزاد؟ هذا الألم فوق أن أحمله وحدي، أمقت هذه الأيام كما لم أمقت غيرها، أمقت الذكرى الأولى لها وبُكائي وتفاجئي والألم المتواصل طِوال هذه الأعوام التِسع، أشعر برغبة كبيرة بالبكاء والحديث حتى أنني لا أجد ما أقوله هذا الدمع قال كل شيء وتحدث به، قلبي مُنهك فحسب، روحي تتلاشى بين كل هذه الأسفار والغُربة والعلاقات المترابطة بين الاضطرابِ واليقين بين أمنٍ كان يحفها حتى صار خوفاً لا يُؤتلف، هذا السيل من الدمع أرجوه أن يتوقف عن الجريان،

ماما ويصمتُ حرفي تماماً.. بحقٍ لا أملك ما اكتبه هُنا سوى البكاء ثم البكاء ثم البكاء! رحلتِ بعيداً بعيداً لكنكِ هُنا وتُبكيني الآن، تبكيني كشوقٍ مؤلمٍ ولومٌ وأمنيةٌ بوجودك.

ليتَ ماما هُنا.. عائلتي.. سندٌ حقيقي بين كل هذا.         لا زال أخٌ روحي هُنا.. هذا سبيلٌ لجعلي ابتسم قليلاً.. لكن هذه الروح بحاجةٍ لِمن كانت الأمانُ والحنانُ والدفء بأجمعه، إن كانت ماما هُنا لما كتبت عن هذا الآن، لما بكيت هذا الصباح ولم أبكِ الآن! ماما ليست إلا سبيلاً لجنةٍ دنيوية لكنها ارتقت إلى السماء منذ زمنٍ بعيد ولازال هذا البُعد وضريبته تضرب بجذورها الصلبة في هذه الأرض المظلمة المسودة، أود بحق قول لا بأس وأن هذا سيزول ويذهب كما ذهبَ طوال الأعوام السابقة لكنها هذه المرة أشد ألماً ووقعاً، روحي بعيدةٌ عني بُعد المشرقين..

 

١٤٤٠/٩/٣ هـ
٩:٥٠ مساءً